ابن سبعين

213

بد العارف

الحق ووقوف عنده واستعداد اليه . فالنفس ليست بجسم ولا مزاج ولا ما صدر عنهما . وأيضا ميل الانسان إلى الشهوات الطبيعية وانغماره في اللذات الجسدانية يمنعه من تصور الحقائق وقبول المعارف ، ويكتسب ذهنه بلادة . واقلاله من ذلك يفيد ذهنه حدة ويعينه على قبول المعارف وتصور الحقائق . فدل ذلك على أن المادة الطبيعية آفة للنفس الناطقة . وأيضا كلما انسلخت منها كانت أكثر تميزا وأصح معرفة . وينتج من هذه المقدمات ان يكون الموت أصح تميزا وأبصر للحقائق وأجل مقدارا لها لانسلاخها من جميع المادة ، ولا يكون التمييز والتصور الا بنفس . فالنفس إذا حية بعد موت الجسم . فصح ان النفس جوهر روحاني قائم بنفسه مستغن عن البدن وهو المحرك له والمفيد الحياة فيه وباق بعده كما تقدم البرهان عليه . وقد وافق هذا البرهان الفلسفي من النص الشرعي قوله عز وجل « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » « 1 » . وقول نبينا ( ص ) « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » . وأيضا الحياة عرض ولا بد لها من حامل ، فان جعلناها محمولة على عرض فقد قلنا إن العرض يتصف ، وان جعلناها على الجسم فيلزم أن تكون الجسوم كلها حية ، وهذا عين المحال . فبقي ان الحامل لها جوهر ليس في مادة ، ولا هو مادة ، وهو النفس . وأيضا لو جعلناها تابعة لمزاج البدن لكانت النفوس كلها واحدة بالصورة في كل واحد من المولدات من حيث هي مزاج . إذا المزاج واحد في كل واحد منها ، وهو كيفية تحدث من امتزاج الاستقصات بعضها مع بعض . ونحن نجد ما في الانسان من الفكر والروية والنطق ما يشبه شيئا من هذا كله وهو مباين لما ذكر .

--> ( 1 ) - سورة 50 آية 22 .